أحمد بن علي القلقشندي
104
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الخلافة العبّاسيّة « فطاعته » تجب قطعا ، ومخالفته تحرم شرعا ؛ ولم يبق إلا أن يبين للعيان شخصه ، ويرد على الآذان نصّه ؛ فيكون يومه غرّة الليالي المعتكرات ، وعلم الأيام المنكَّرات ، واليوم الذي به تؤرّخ الأيام المستقبلة ، وترفع فيه الأعمال المتقبّلة . وبإقبال الركاب السعيد إلى هذه ينزل به من سماء العلياء محكم وحكمة ، ويصل به إلى الأنام فضل من اللَّه ونعمة ، ويقتضي دين على الأيام ، لا يبقى معه عسرة ، ويوجد جبر للإسلام ، لا يكون بده كسرة ، وشفاء لقلوب الأولياء هو للأعداء حسرة . الأسلوب الرابع ( أن تفتتح المكاتبة بالخطاب بلفظ « سيدي » أو « مولاي » مع حرف النداء أو دونه ) كما كتب أبو عبد اللَّه بن الخطيب وزير ابن الأحمر صاحب الأندلس عن نفسه إلى السلطان أبي عنان ابن السلطان أبي الحسن المرينيّ صاحب فاس ، عند ورود كتابه إلى الأندلس بفتح تلمسان ( 1 ) ، معرّضا بأنّ صدور كتابه من عند قبر والده السلطان أبي الحسن بالأندلس ، ما صورته : مولاي ! فاتح الأقطار والأمصار ، فائدة الأزمان والأعصار ، أثير هبات اللَّه الآمنة من الاعتصار ، قدوة أولي الأيدي والأبصار ، ناصر الحق عند قعود ( 2 ) الأنصار ، مستصرخ الملك الغريب من وراء البحار ، مصداق دعاء الأب المولى في الآصال والأسحار . أبقاكم اللَّه ! لا تقف إيالتكم عند حدّ ، ولا تحصى فتوحات اللَّه عليكم بعدّ ، ولا يفيق أعداؤكم من كدّ ، ميسّرا على مقامكم الكريم ما عسر على كل أب كريم وجدّ .
--> ( 1 ) تلمسان : بالمغرب . قال ياقوت : وهما مدينتان متجاورتان مسورتان ، بينهما رمية حجر ، إحداهما قديمة والأخرى حديثة ، والحديثة اختطها الملثمون ملوك المغرب ، واسمها « تافرزت » ، فيها يسكن الجند وأصحاب السلطان وأصناف من الناس ؛ واسم القديمة « أقادير » ، يسكنها الرعية ، فهما كالفسطاط والقاهرة من أرض مصر . ( معجم البلدان : 2 / 44 ) . ( 2 ) في الأصل : « قصور » والتصحيح عن الطبعة الأميرية .